محمد غازي عرابي
1069
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
قلنا في كتابنا الإنسان الكبير كيف تكون الحياة لعبا ولهوا ، وبيّنا أن حقيقة الدائرة الأسمائية الجامعة هي فعلا لعب ، وقال الرومي : لقد صنعت الأنا والنحن لتلعب مع نفسك لعبة العبادة ، وقال : ما سبب كل هذا الخراب إلا هذه التثنية ، يريد الوجود الإنساني إلى جانب الوجود الإلهي ، فمن لم يخرج من أناه وعن أناه عاش أعمى البصيرة . . . ثم إن لعبة الأسماء اقتضت وجود الغني والفقير ، الكبير والصغير ، المؤمن والكافر ، المهدي والضال ، واقتضت صراع الأضداد ، أو كما قال سبحانه تفاخر وتكاثر في الأموال والأولاد ، وهذا كله مثله كمثل زرع جيد ، نباته حسن ، لكن نهايته اصفرار وحطام ، ومثله أيضا رجل قوي قضى عمره ينافس الآخرين ، ويفاخرهم ، وكلما حقق أملا مد عينه إلى تحقيق غيره ، وكلما بلغ أفقا وجده سرابا ، فطمح بصره إلى أفق جديد ، حتى إذا بلغ أرذل العمر ، وأصابه الضعف وفتور القوى ، نظر وراءه فرأى أن كل ما وجد فيه واجتهد إنما كان لعبا ولهوا حقا ، قال الرومي : ما دمت مشغولا بالقيل والقال ، فمتى تدرك نفحة من حديث المنام ؟ فالحياة الحقيقية لمن عرف الحقيقة ، ولا حقيقة حقا إلا اللّه الحق ، فمن استمسك بهذه العروة الوثقى نجا من طوفان تنور المادة ، وصراع الأضداد والنقائض ، وإلا فهو من الغرقى الهالكين . [ سورة الحديد ( 57 ) : آية 21 ] سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( 21 ) [ الحديد : 21 ] قلنا الجنة جنات ، وأعلاها جنة القرب ، وجنة القرب جنة العلم ، وهي الغرفة التي تفنى فيها الأنا الفردية فيحيا الإنسان من ثم في نور الأنا الخالصة الجامعة ، ويستبدل بصفاته صفاتها ، وبقواه قواها ، وببصره بصيرة مجلوة هي البصر الإلهي ، فيحتل مكانة العزيز التي احتلها يوسف عليه السّلام الذي آتاه اللّه الملك وتأويل الأحاديث ، قال الجيلي : وسع الخلافة التحقق بأسمائه وصفاته ، حتى أنه يرى ذاته ذاته ، فتكون هوية الحق عين هوية العبد ، وأنيته عين أنيته ، واسمه اسمه ، وصفته صفته ، فيتصرف في الوجود تصرف الخليفة في ملك المستخلف . [ سورة الحديد ( 57 ) : آية 22 ] ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ( 22 ) [ الحديد : 22 ] رحلة الإنسان من مهده إلى لحده شريط مسجل ، يوضع على شاشة النفس فيبدأ العرض ، ومثل هذا في القرآن سورة يوسف من ألفها إلى يائها وكما أن علماء الفضاء قد عرفوا شيئا عن